ابو البركات
395
الكتاب المعتبر في الحكمة
لذلك تصور فإذا استقر المعنى في النفس حتى يبقى بعد الالتفات عنه إلى غيره بحيث يجده الطالب في نفسه إذا طلبه بالتذكر قيل لذلك الاستقرار حفظ ولذلك الطلب تذكر ولذلك الوجود ذكر ، وأكثر ما يقال التصور لماله صورة مرئية بالعين ذات شكل ولون ولا يقال لمحصول الطعوم والأراييح عند المدرك تصور وكذلك كل ما عداهما مما لا شكل ولا لون له . والمعرفة تقال على استثبات المحصول المدرك خصوصا إذا تكرر ادراكه فان المدرك إذا أدرك شيئا فحفظ له محصولا في نفسه ثم ادركه ثانيا وأدرك مع ادراكه له انه هو ذلك المدرك الأول قيل لذلك الادراك الثاني بهذا الشرط معرفة فيقول اعرف هذا الرجل وهو فلان الذي رأيته في وقت كذا وحال كذا « 1 » وبالجملة رأيته مرة أولى وتذكرت الآن مع رؤيته الثانية انه هو ذلك الأول فالمعرفة تكرار التصور وتصور قار الادراك والادراك نيل المطلوب والفهم تصور المعنى من لفظ المخاطب والافهام هو ايصال المعنى باللفظ إلى ذهن السامع . فأما العلم فإنه معرفة وتصور أيضا لكن مع زيادة تكون فيها لمن سمع وفهم موضع موافقة ومخالفة على ما قيل وقصد في المعنى وذلك القصد هو الزام معنى لمعنى واثباته له وابعاد معنى عن معنى ونفيه عنه كما تقول ، زيد عالم ، أو ليس بعالم ففي قولك ، زيد عالم ، اثبات العلم لزيد وفي قولك ، ليس بعالم ، نفيه عنه وانما يثبت هذا لهذا وينتفى هذا عن هذا عند الذهن بعد تصور المعنيين ومعرفتهما ومعرفة معنى الاثبات والنفي ، فذلك التصور وتلك المعرفة مع هذا النفي والاثبات تسمى علما وهذا الاثبات والنفي يسمى حكما وكون ذلك في الذهن موافقا لما عليه الوجود يسمى صدقا ، فالصدق اسم لهذه الموافقة في هذا الحكم بهذا المحكوم به لهذا المحكوم عليه والتصديق هو الموافقة على هذه الموافقة وهو قبول ذهن السامع لذلك وموافقته على موافقته ، فالتصديق يكون فيه الحكم باثبات المعنى للمعنى أو نفيه عنه مع الحكم بموافقة الوجود له في الاثبات والنفي ، والصدق هو الحكم
--> ( 1 ) سع - في وقت كذا وكذا .